في إنجازٍ اقتصادي «عبقري» جديد، قرّرت الحكومة رفع رسوم البنزين وزيادة نقطة على ضريبة الـTVA، لتأمين الأموال اللازمة لزيادة رواتب موظفي القطاع العام.
أولاً، صحيحٌ أنّ وظيفة الدولة هي أن تأخذ من الناس لتُعيد الإنفاق على الناس، لكن ما تأخذه يكون دائماً أكثر ممّا يصل فعلياً إلى الناس، لأنّ جزءاً منه يُستهلك في كلفة إدارة الدولة نفسها. هذا الواقع قد يكون مقبولاً فقط عندما يكون المصدر هو الإنتاج. أمّا عندما لا يكون هناك إنتاج، فإنّ ما تأخذه الدولة يكون من أموال الناس، أي من مدّخراتهم وقدرتهم على الاستمرار.
فإذا لم يزد الإنتاج وبقي ثابتاً أو تراجع، فإنّ أي ضريبة تعني حُكماً أنّ مال الناس يتآكل وأنّ الاقتصاد يسير نحو الخراب.
ثانياً، في منطق الحكومة «العبقري»، تريد تعويض من دمّرت حياتهم... عبر تحميل الكلفة نفسها لمن أفلسَتهم أصلاً. المواطن الذي حُجزت ودائعه وجُمّد ماله، كيف يمكن توقّع أن يتحمّل من انحدروا إلى التعتير، بعدما تعرّضوا للسرقة، أعباءً إضافية؟ كيف لِمَن سُلِبَت ودائعه وجُمِّد مصدر أمانه أن يُطلَب منه تمويل دولةٍ لم تبادر حتى الآن إلى تصحيح خطئها الأساسي؟
لذلك، أليس الأجدى، قبل مَدّ اليَد مجدّداً إلى جيوب الناس، أن تبدأ الدولة بإعادة تنمية الاقتصاد بالطرق الصحيحة: بإعادة الثقة، وفتح مصارف جديدة، وتطبيق الشفافية المطلقة، ووضع قوانين تشجّع الاستثمار، وإلغاء القوانين المُضرّة به؟
ونذكر أنّ أي محاولة لإحياء الاقتصاد عن طريق المصارف الحالية والقوانين الحالية هي عقيمة، وعلى الحكومة أن تعي أنّ الثقة بالمصارف القديمة فُقِدت إلى الأبد، وأنّ الثقة لا تُفرَض بالقوّة. فهؤلاء أساؤوا الأمانة ودمّروا حياة الناس، وإن كان ما فعلوه ناجماً عن سرقة أو حمرنة فالنتيجة ذاتها، وبالتالي باتوا غير مؤهّلين، ومن الحماقة إعادة ائتمانهم على الأموال الجديدة. كما يجب إجراء مراجعة شاملة للقوانين الحالية؛ فهناك قوانين مُضرّة بالاستثمار يجب إلغاؤها واستبدالها بقوانين جديدة مشجّعة للاستثمار.
كما يجب كشف تفاصيل «سرقة القرن»، كي لا تتكرّر. لكن بما أنّ الأسئلة الكثيرة التي طُرحت مراراً تبدو صعبة عليهم، سنُسهّلها إلى سؤال واحد موجّه إلى المصرف المركزي: عند اندلاع الأزمة في 2019 وحجز الودائع، ما قيمة الودائع التي أخذها المصرف المركزي من كل مصرف على حدة؟
سؤال واحد، واضح، مباشر، وسهل الإجابة. أمّا إذا كان المصرف المركزي لا يملك هذا الجواب، فهذه ليست مشكلة تقنية... بل مصيبة المصائب، وعندها يصبح أي كلام آخر بلا معنى. وعندما تتمّ الإجابة عن هذا السؤال، نعطيهم السؤال الثاني، آملين أن يكون بإمكانهم الإجابة عن كل سؤال على حدة.
من جهة أخرى، لفتنا تصريح دولة الرئيس نواف سلام من مرفأ طرابلس، بأنّ «الزيادة على الـTVA تطال الأغنياء»، وهو ما يُثير الاستغراب، وكأنّ المطلوب رسم فئتَين متخاصمتَين في البلد ضدّ بعض: فقراء وأغنياء، وأنّ الغنى جريمة، وكأنّ فرض ضرائب إضافية عليهم سيحلّ المشكلة.
هل يدرك دولة الرئيس أنّ الأغنياء هم الفئة المحرّكة للاقتصاد؟ الصين ازدهرت حين سمحت بتكوين الثروة، بينما البلدان التي حاربت الأغنياء تعثّرت اقتصادياً وأوقفت النمو. فبدل تصوير الوضع كمواجهة بين فئتَين، أليس الأجدى أن تتعاون كل الفئات على خلق ازدهار وثروة تعود بالنفع على الجميع، عبر قوانين وقرارات تجذب المستثمرين ولا تدفعهم للهروب؟
نقول للحكومة: شو بدكن؟ بدل أن تعالجوا جذور الأزمة وتشتغلوا نهاراً وليلاً لإحياء الاقتصاد عبر خطوات ذكرناها مراراً، تستسهلون أن تضيفوا أعباءً على مَن أفقرتموهم أصلاً! بدل أن تنصفوهم، تعيدوا حقوقهم، وتكشفوا لهم الحقيقة، تختارون إجهاد الناس ودفعهم إلى الهجرة.
هل هذا هدفكم؟ تفريغ البلد من سكانه وتركه فريسة للفشل، بدل أن تتحمّلوا مسؤوليّتكم؟ شو بكن؟
بدل تصوير الوضع كمواجهة بين فئتَين، أليس الأجدى أن تتعاون كل الفئات على خلق ازدهار وثروة تعود بالنفع على الجميع، عبر قوانين وقرارات تجذب المستثمرين ولا تدفعهم للهروب؟